يكمن في قرارة هذا المجهود إشكال أساس ينبني على فك العلاقة بين السلطة المخزنية والمجتمع المدني ، في إطار تصورات أولية تنبو هذه الصفحات عن الإحاطة بها ، لأن الإشكال أعمق من أن تغطيه محاولة بطريقة شمولية ، وإنما مناط الأمر تقديم فرضيات مسنودة ببعض الوقائع و الأحداث الاجتماعية التي عرفها المغرب في فترات التاريخ المعاصر .
لهذا نتصدى في مرحلة أولى لكشف بعض ملامح السلطة ، و بالقدر نفسه نعرض لبعض سمات المجتمع المدني ، على نختم برسم بعض معيقات كلا طرفي العلاقة في عدم القدرة على " الإبانة" حسب ما تفرضه الأطر النظرية الموجهة لهما في الحقل المعرفي .
يكتسي الحديث عن المجال السياسي المغربي ، استحضار مجموعة من الضوابط المعرفية و المنهجية و التاريخية ، بهدف التمييز بين السلطة و الدولة ، إذ من الخطل الجمع بينهما أو اختزالهما ، فلا الدولة تعني السلطة و لا السلطة هي الدولة ؛ معنى ذلك أن الدولة أصل و دوام و استمرار ، و السلطة فرع و تداول و تناوب ، و من الطبيعي أن تكون للدولة سلطة و لن تكون السلطة دولة .
ترشح التجربة التاريخية و مسار تشكل الدولة بالمغرب بالعديد من المقومات التي صاغت نسيجا اجتماعيا هشا ، و دقت الأسافين في بنيته و مضمونه ، حين تعالت تارة على المجتمع بمفهوم القبيلة بدءا بالتاريخ المرابطي ، ومرورا بالموحدي و إلى غاية المريني منه ، و تارة بالشرف انطلاقا من التجربة السعدية و العلوية .
قراءة في كتاب: سوسيولوجيا التنظيمات أسس واتجاهات لجمال فزة ـ ذ. مصطفى بولحيا
صدر عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر سنة 2013 كتاب سوسيولوجيا التنظيمات أسس واتجاهات للباحث والسوسيولوجي المغربي الدكتور جمال فزة أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس أكدال بالرباط. يقع المؤلف في 215 صفحة من الحجم الكبير، موزعة على فصلين، يضم كل منهما ثلاثة محاور متناسقة.
1. رهان الكتاب:
يرمي الكاتب من وراء مؤلفه إلى الاسهام في تعويض النقص الحاصل في موضوع سوسيولوجيا التنظيمات في المكتبة العربية. نقص لا يقتصر، على حد قول الكاتب، على الجانب الكمي بل إنه يمس الجانب الكيفي أيضا. فقد وقع المفكرون العرب الذين تناولوا هذا الموضوع في منزلقين: أولهما هو "اعتبار سوسيولوجيا التنظيمات فرعا تطبيقيا للسوسيولوجيا العامة، والثاني يكمن في النزعة الماهوية الحدية التي ميزت هذه الدراسات لاسيما أثناء تعريفها لعلم اجتماع التنظيم."
الخلفيات المؤثّرة في طروحات الفكر النسوي الغربي والعربي ـ فتحي الحبوبي
« أنا عدوّ سلطة الرجل التي لم تنته بعد. وأعتقد، أنّ المرأة هي مستقبل الرجل، وليس "الرجل هو مستقبل الرجل كما قال ماركس" »
الشاعر والقاص الفرنسي "لوي أراغون"
من روائع التراجيديّا الإغريقيّة التي كتبها سوفوكليس، منذ القرن الخامس قبل الميلاد مسرحيّته "أنتيغون" (Antigone)التي جسّد فيها الصراع العنيف القائم بين الملك المستبدّ "كريون" (Créon) و الفتاة العنيدة "أنتيغون" أي بين السلطة الغاشمة والمرأة الرافضة للخضوع إلى الأوامر. فهي الثائرة التي انتقلت من محيطها الضيّق، إلى محيط الأغورا (agora) الرحب. بما هو الساحة التي تمارس فيها الحقوق السياسية. إلّا أنّ هذا الصراع الذي يمكن اعتباره في المطلق صراعا أزليّا ما بين المرأة و الرجل، لا يزال قائما إلى اليوم، من أجل حيازة مكان للمرأة تحت الشمس، عبر نضالات الحركات النسائيّة وسندها الفكر النسوي الذي سنعرض له. ولكن ما هي الجذور التاريخيّة وخلفيات هذا الفكر؟
لقد كان للحداثة بما دعت إليه من تحرر للعقل النقدي ومن كونيّة حقوق الإنسان، ومن حريّة ومساواة بين البشر ، و ديمقراطيّة و مواطنة، ونحوها من المبادئ، و للنزعة الإنسانيّة لفكر عصر الأنوار، وكذلك وبالأساس للثورة الفرنسيّة -لا سيّما بعد إعدام أولمب دو كوج (Olympe de Gouges) صاحبة "إعلان المرأة والمواطنة" لسنة (1791) ، بما هو احتجاج على إقصاء النساء في أول إعلان لحقوق الإنسان والمواطن (1789)، الدور الأساس لبروز الفكر النسوي والحركات النسائيّة الغربيّة إلى الوجود. كما كان لعصر النهضة الفكرية والإصلاحيّة العربيّة التي بدأت مع نهاية القرن التاسع عشر وامتدت حتى أوائل العشرينات من القرن الماضي استتباعات ومفاعيل إيجابيّة على المجتمعات العربيّة ، لعلّ من أهمّها بروز دعوات ملحّة لإعادة صوغ العلاقات القائمة بين الرجل والمرأة على أساس قواعد جديدة ومغايرة في اتجاه إنصاف المرأة بعد تبخيس لمكانتها ولدورها الاجتماعي بل و قهرها، على مدى التاريخ، واختصار أدوارها في رعاية المنزل وتنشئة الأبناء داخل الأسرة فحسب، بما يجعلها في تبعيّة اقتصادية كلّية للرجل قد تبلغ أحيانا درجة التعامل معها بدونيّة وسفالة تصل حدّ الاستغلال الجنسي في أسواق النخاسة.
الغير مألوف في المألوف، أو نقد الحياة اليومية ـ عبد السلام ديرار
I - تحديد مفهوم "اليومي":
يعتبر لفظ "يومي" من الألفاظ العربية الفصحى، وهو مشتق من اسم "يوم"، وفي معظم المعاجم العربية، نجد هذا اللفظ يرتبط بما يتم تكراره كل يوم دون انقطاع، فتم التمييز بناء على ذلك بين "اليومي" و"الأسبوعي" و"الشهري"…الخ. وهو نفس المعنى الذي يشير إليه لفظ "quotidien" في الفرنسية في كل المعاجم الكلاسيكية (quotidien : de tous les jours). كما أنه نفس المعنى تماما الذي يحمله اللفظ في الإنجليزية (quotidian : recuring every day).
أما كلمة "اليومي" في بعدها العلمي، فلا تكتسب المفهومية إلا ضمن فرع محدد من فروع السوسيولوجيا جد حديث هو سوسيولوجيا الحياة اليومية، لأن الاهتمام بالحياة اليومية كموضوع للسوسيولوجيا حديث النشأة بالمقارنة مع جوانب أخرى من الحياة الاجتماعية، هذا بالإضافة إلى كون السوسيولوجيا نفسها كعلم، حديثة بالمقارنة مع فروع أخرى من المعرفة الإنسانية. يقول إرفينغ غوفمان Erving Goffman الذي يعتبر اليوم من أبرز الوجوه الأمريكية المهتمة بالحياة اليومية "يوجد مجال حيوي لم يكن بعد موضوعا للدراسة العلمية بالشكل الكافي، وهو المجال الذي توجده التفاعلات وجها لوجه في الحياة اليومية، هذه التفاعلات التي تبنيها معايير للاجتماع والتواصل"(1). ومعلوم أن بحوث إرفينغ غوفمان شملت جوانب متعددة من الحياة اليومية بالمجتمع الأمريكي، كالعلاقات الطقوسية (اليومية) بين نساء الحانات والزبناء المدمنين، وما يطبعها من إشارات ورموز وحركات إغراء… وكل ما هو مألوف بين جدران الحانة ويلزم تحليله وتفكيكه حسب غوفمان، وكالتفاعلات الحاصلة في محطات انتظار الحافلة أو الميترو وما يحدث من استفزازات (عنصرية) بين الرجل الأسود مثلا والنساء الشقراوات أو العكس. ثم أشكال الحركات والإشارات التي تعتمدها التعبيرات الجسدية (سواء عند الرجل أو المرأة)…، وغير ذلك من جوانب الحياة اليومية المتداخلة في المدن الأمريكية الصاخبة، هذه الحياة اليومية التي يرى غوفمان أنها العلاقات التي تكونها مجموعة من الأشخاص والأشياء، هذه العلاقات التي تحكمها قواعد مقيدة (restrictives) أحيانا وغير مقيدة أحيانا أخرى، يمكن الوصول إليها(2).
قراءة في كتاب "مدخل إلى علم نفس الإجرامي لكاترين بلاتير" ـ مريم المفرج
مدخل:
احتلت القضايا الجنائية جزء كبيرا من انشغال العديد من وسائل الإعلام، سواء تلك التي تنشر في التلفاز أو الصحافة أو الإنترنت، باعتبارها أكثر القضايا حساسية والمتمثلة في انعدام الأمن، إذ من شأنها أن تساهم في تنامي بعض الظواهر النفسية ولو بشكل مضطرد، لتثير بالتالي اهتمام الباحثين خاصة علماء النفس، وذلك للخوض في البحث والتفسير تحت لواء علم النفس الإجرامي، هذا الأخير الذي يعتبر حديثا نسبيا مقارنة بباقي العلوم.
وبالتالي فتفسير الظواهر التي يدرسها هذا العلم، تنبع انطلاقا من طبيعة الجريمة بحد ذاتها من حيث أسسها النفسية والاجتماعية والبيولوجية، إذ يصعب أحيانا إعطاء تفسير جنائي لجميع حالات الجنوح، فتكون بالتالي مجحفة في حق الحالات السايكوباتية المرضية، لذا ركز علم النفس الإجرامي على فهم الظواهر العلمية أولا، ثم بمعاملة الأفراد المتورطين في الجرائم ثانيا.فبرزت بالضرورة عدة أسئلة عن أسباب الجريمة وأفضل طرق تحديدها، ومن هم أبرز من ناقشوها وكتبوا في شأنها، وعن الكيف والحالة التي يصبح فيها الشخص جانحا، وهل هم في انخفاض أم في تزايد مستمر، وعن الكيفية التي يتداخل فيها ما هو نفسي وما هو اجتماعي وقضائي في تحليل الظاهرة؟، كل هذه أسئلة كثيرة وفضفاضة تسعى الكاتبة إلى تحليلها ومناقشتها في هذا الكتاب، آملة فيه أن يجد القارئ إجابات شافية لهذه المشكلة القديمة الجديدة.
الثابت والمتغير في الدين والحياة ـ د. مخلص السبتي
في بحثهم عن الثوابت الراسخة الحامية من الانجراف ، كثيرا ما يلجأ الشباب إلى متغيرات يحسبونها ثوابت ....وما هي عند التحقيق بذلك ، بل كثيرا ما تكون مجرد حلول لمشاكل لم تعد قائمة ، وإجابات عن أسئلة لم تعد مطروحة ، وإجراءات تخص تحديات واقع قد ولى ...يحمل كل ذلك على أنه دين وما هو بالدين ، أو مقدس وما هو بالمقدس ، وآثار ذلك على الثقافة والسياسة والاقتصاد ...وخيمة ، فذلك فضلا عن كونه من أهم كوابح التطور ، هو أيضا من أكبر معيقات التوافق الاجتماعي ، وأنى للناس أن يتوافقوا على شيء يرونه - حقا أو توهما - يمس ثوابتهم .
في هذا المقال سوف ندخل إلى الجزء الذي يتهيب الكثير دخوله ، هو شديد الصعوبة لأنه يتناول أفهام الناس عن ثوابتهم ، وكثيرا ما أحالت الأفهام على أوهام ، والناس في ذلك معذورون ، فكثيرا ما التبست الأوهام بالحقائق فاستعارت زيها وتغطت بردائها ، ولبست على الناس ، فإذا هم في خوض يلعبون ويحسبون أنهم مهتدون.
من أجل مرصد وطني مـدنـي للعمل الجمعوي بالمغرب ـ إبراهيم منتيس
'' تتحدث المعارضات عن تغيير السلطة و لا شيء عن تغيير المجتمع '' أدونيس
من بين المقاييس التي أضحى يقاس على أساسها مستوى تنمية الدول و المجتمعات في عالم اليوم، قياس مدى اتساع مجال المشاركة المجتمعية الفعالة في مختلف المجالات، الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية... ،التي تسمح لعموم المواطنين و المواطنات بالمشاركة في تشخيص المشاكل و إبداع الحلول و وضع السياسات و الرؤىو التخطيط للتنمية و تفعيل المشاريع التنموية و تتبعها و تقييمها. وفقا لهذا المقياس و من هذا المنظور يمكن القول، بقدر ما تتسع المشاركة الفعالة أمام عموم الفئات الاجتماعية و خاصة الفئات المقصية و المهمشة ، بقدر ما تترسخ و تتعمق قيم التضامن و المواطنة و الديمقراطية و بنفس القدر يتم تسريع وتيرة تحقيق التنمية الشاملة و تقاسم ثمراتها.
على هذا الأساس، أصبحت التنظيمات غير الحكومية عامة و الجمعيات على وجه الخصوص، داخل المجتمعات تمثل أداة متباينة القوة لتفعيل المشاركة المواطنة . كما أصبح مستوى نضج و فعالية النسيج الجمعوي، وفق تعبير فوزي بوخريص ، محدداً أساسياً يقاس به مستوى قدرة المجتمعات على التطور و البناء الديمقراطي ،ذلك أن قدرة أي مجتمع على " النمو و على التطور و على الابتكار تظل مرتبطة بقدرته على بناء أكبر ما يمكن من المجالات المتخصصة و التي تكون قريبة من المواطنين و بعيدة عن تحكم الدولة .. و الفاعلين الحكوميين "[1] ( فوزي بورخيص: سوسيولوجيا العمل الجمعوي بالمغرب : ملاحظات أولية)
المجتمع المتفكك والمجتمع الكلياني : من التكوين الميكانيكي إلى التكوين العضوي ـ دراسة مبسَّطة في خصائص الاجتماع العربي ـ إبراهيم النفره
مقدمة:
يبدو الحديث عن دراسة للمجتمع العربي حديثاً تقليدياً من حيث الشكل, لكن في ظل الأحداث التي تمر بها المجتمعات العربية أصبحت عملية تفكيك البنى الاجتماعية ودراسة عناصرها أمراً غاية في الأهمية تستدعيها المعطيات والنتائج التي أفرزتها المرحلة الأخيرة في تاريخ المجتمعات العربية (إن صحَّ الجمع). هذه الدراسة المبسطة ستقدم مدخلاً جديداً لدراسة بنية الاجتماع العربي, إنطلاقاً من تحليل العناصر الأساسية المكوِّنة لهذه المجتمعات وتحديد الأطر النظرية لميكانيزمات الحراك الاجتماعي فيها, مبنيةً على أسس انثروبولوجية.
لدراسة أي مجتمع لابدَّ في البداية من دراسة العنصر الأهم في تكوينه, نقصد هنا "الفرد/ الإنسان العربي". لذا فإننا سننطلق من أسسٍ انثروبولوجية للوصول إلى الغاية المنشودة.
- ميكانيزمات الفعل الإنساني في المجتمع ونقد خطاب الحداثة:
يتحدد حراك الأفراد في المجتمع بناءً على خصائص تسم الطبيعة البشرية. بتعبيرٍ آخر, إنَّ ما يحدِّد حراك الفرد في المجتمع هو "الرغبة". الشكل الأول من أشكال الرغبة هذه هو الرغبة في الوجود الإنساني (الكينونة) كفرد متفرد بذاته ولذاته يتميز عن أقرانه في المجتمع بجملة من الصفات التي ترتبط بالبنية الفيزيولوجية والسيكولوجية للفرد تطبع تحركاته في المحيط الاجتماعي بطابعٍ يميّزهُ عن الآخرين, ويعمل الفرد من خلال تفاعله مع الجماعات الاجتماعية المحيطة به على إثبات وإبراز هذا التفرد. أما الشكل الثاني من أشكال الرغبة فهو الرغبة في الكينونة مع الآخر, أي الوجود من خلال اعتراف الآخر بهذا الفرد ككائن فاعل وذو دور عضوي في المجتمع, هذا النوع الآخر من الرغبة لا يمكن تحقيقه دون عملية إندماج اجتماعي فعَّالة, تعمل على تحقيقها البنى المؤسسية والقانونية والبنى الثقافية في المجتمع, فإما أن تكون عاملاً في إنطلاق أفراده أو عاملاً في تقيد حركتهم والحد منها.